الشريط الأخباري

بين (عصر الشيكات الفارغة) و(حتمية التراجيديا)

للإمبراطوريات، على ما يرى حكيم العالم الغربي هنري كيسنجر، “تراجيديتها الحتمّية” – وهو جزء من عنوان كتاب حديث عنه وعن عالمه – خلاصة هذه الحتمّية أن الإمبراطوريات تسقط، كما روما، أو تضعف، كما بريطانيا. مواجهة ذلك، بحسب “العزيز هنري” – كما دعاه الذي وضع بيده 99% من أوراق اللعبة في السبعينيات، أصبحت 100% لاحقاً – يجب أن تكون من خلال “فلسفة السياسيّة الواقعيّة”، وهي تستهدف “بناء توازنات للقوى الدوليّة تضمن عقلنة الصراعات”، الأمر الذي يتطلب “استخدام طرائق غير القوّة العسكريّة المحض لتمديد الهيمنة”، وهي عند كيسنجر، كما يقول مؤلف الكتاب: بناء توازنات لقوى متقاطعة ومتنافسة في نوع من نظام عالمي يضمن أن أياً منها لن يكون قادراً على مواجهة الولايات المتحدة في أي وقت قريب. مثلاً: التنسيق مع روسيا ضد الصين والعكس صحيح.

ويبدو أن هذه الرؤية “الكيسنجيرية” هي التي تحكم “وثيقة 2020” التي طرحها الحزب الديمقراطي مؤخراً كمسودة للنقاش الداخلي، لاعتمادها تالياً كسياسة رسمية في حال وصول مرشحه، جو بايدن، إلى البيت الأبيض. حصة الشرق الأوسط منها.. صفحة واحدة وهي الصفحة الأخيرة، وذلك دليل بيّن على “أهميته” في نظر الإمبراطورية، لكن ما يعنينا منها أمران: الأول، أنها تنطلق، كغيرها، من أولوية “إسرائيل” وأمنها باعتباره “أمراً حيوياً لمصالح الولايات المتحدة”، وبالتالي هم ملتزمون بوجودها و”بوحدتها العسكرية، وحقها في الدفاع عن نفسها”؛ والأمر الثاني يمكن تلخيصه بإحدى جملتين: “عودة الدبلوماسية النووية”، أو “إنهاء عصر الشيكات الفارغة”، وهما جملتان متلازمتان طرداً، بمعنى أن تحقيق إحداهما يستلزم تحقّق الأخرى، فوراً، وحكماً، وهما معاً تعنيان – كما تقول الوثيقة – “إعادة ضبط علاقات واشنطن مع شركائنا الخليجيين”، و”تشجيع الجهود المبذولة للحدّ من التوترات الإقليمية”، والأهم إنهاء عصر “الانغماس في الاندفاعات الاستبدادية والخصومات الداخلية، وإنهاء حروب الوكالة، والجهود الرامية إلى دحر الانفتاحات السياسية عبر المنطقة”.

بهذا المعنى، يبدو إرث ترامب، في جانب هام منه، مهدّداً في حال فوز الديمقراطيين، لكن، وبالمطلق، لا يطال التهديد أهداف “الإمبراطورية”. ما سوف يتغير هو أسلوب تحقيقها، وبكلمة أخرى يمكن القول: ستجري عملية استعادة إرث أوباما، وهو إرث حربي كغيره لكن بأدوات ناعمة، فمعضلة صراعات القوّة والنفوذ ليس لها نهاية كي نقول إن الحروب والهيمنة والسلب والنهب انتهت، أو ستنتهي على أيدي هذا أو ذاك.

كلام الوثائق الانتخابية، كالعادة، جميل، لكن هل كان عصر أوباما جيداً حتى نصفق له؟! أليس هو من أطلق، من جامعة القاهرة، هذه الفوضى التي تضرب أطنابها الشرق الأوسط من شرقه إلى غربه؟! أليس هو من وضع يده بيد “الإخوان المسلمين” كبديل أمريكي مقبول عن الموجود؟! ونكرر، بديل أمريكي وليس بديلاً وطنياً، والتزامهم المطلق بـ “كامب ديفيد” ورسالة مرسي لـ “العزيز بيريز”، دليل لا يقبل الشك في هذا المجال.

والحال، فإن الأسئلة هنا تطرح نفسها بوضوح، أولها: هل يتركهم ترامب وحزبه، وفريقهم “الإسرائيلي”، ينفذون ما كتبوه؟! وكان لافتاً، في هذا المجال، الدفع “الترامبي” المحموم باتجاه المواجهة الدائمة مع الصين، وطبول الحرب التي تسابق في منطقتنا رسائل التهدئة، وهو ما يبرزه الحراك الأمريكي الأخير بعد استفزاز الطائرة المدنية الإيرانية وعدوان “إسرائيل” على سورية واستشهاد عنصر لحزب الله، ففيما تتحدث الوقائع عن رسالة “إسرائيلية” اعتذارية عبر الأمم المتحدة لحزب الله، كان الأمريكي يدفع للتصعيد، وهو مضمون ما قاله الجنرال كينيث ماكنزي، رئيس القيادة المركزية الأميركية، كما محادثات رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال مارك ميلي، في الكيان الصهيوني حول “التحديات الأمنية الإقليمية”. السؤال الثاني: كيف سيتقبل أصحاب “الشيكات الفارغة” انتهاء عهد التبعية.. تبعية زعامتهم وعروشهم التي قامت عليها منذ اتفاق “المدمرة كوينسي” الشهير؟!

بالمحصلة، ليست “الوثيقة” إلّا كشفاً انتخابياً عن صراع على قمة امبراطورية تكاد تفقد موقعها الأحادي على قمة العالم لمصلحة عالم متعدد الأقطاب تكون تحالفاته رجراجة حسب الموضوع. صراع بين فريقين يحاولان الحفاظ على المصالح القوميّة العليا للولايات المتحدة ولكن عن طريقين مختلفين، وبكلمة أخرى، بين بلطجة ترامب الذي يرى الأمور بمنظور “الشيكات” فقط وابتزاز الجميع، أعداء وحلفاء، وبين من يحاول تخفيف وقع نتائج “حتمية التراجيديا” عبر ترشيد الصراع “في إطارات خطوط حمراء وخوضها دائماً ضمن منظور طويل المدى بدلاً من الوقوع في مطبات اللحظي والمرحلي والعابر”، كما تفصح كلماتها.

وبالتالي، المحصلة واحدة، فعصر كيسنجر – كما عصر أوباما – وسياساته الواقعية، أسقط، أيضاً، مئات الآلاف من القتلى، لكنهم سقطوا من أرشيف التاريخ لأن دماءهم ليست زرقاء، وهو ما سيحصل لنا، لأننا لم نزل ساحة وميداناً ليس لدينا سوى الشيكات المادية والمعنوية نقدمها لهذا الطرف أو ذاك.

وللمرة الألف، أزرق أو أحمر، فيل أم حمار، لا فرق عندنا ما دمنا لم نأخذ بأسباب القوة بعد.

بقلم: أحمد حسن

انظر ايضاً

اللجنة الدستورية: “الحجر السياسي” كضرورة للمعجزة- بقلم أحمد حسن

لم يجاف المبعوث الأممي، غير بيدرسون، الواقع حين دعا إلى عدم توقّع “معجزة” أو “نقطة …